السيد كمال الحيدري

192

دروس في التوحيد

المعرفة ، ويمكن الإشارة إلى نتائج هذا الاختلاف في تعريف القدرة من خلال مسائل ثلاث ، هي : الأولى : إن البحث الفلسفي يذكر أقساماً للفاعل ، منها أن يكون فاعلًا بالقصد ، وقد يكون فاعلًا بالرضا ، أو فاعلًا بالتجلّي وهكذا . وطبيعة التعريف المُنتخَب للقدرة له دخل مباشر في تحديد نحو الفاعلية الإلهية . الثانية : يتوقّف على طبيعة تعريف القدرة وفهمها ، تحديد معنى الاختيار الإلهي . فالاختيار عند الإنسان له معنىً واضح ، فهو يستطيع أن يفعل وأن يترك بإزاء الفعل الواحد ، فهل ينطبق المعنى ذاته على الله سبحانه حينما يوصف أنّه فاعل مختار ، أم هناك معنىً آخر لابد من الالتزام به ؟ الثالثة : ترتبط النتيجة الثالثة التي تنشأ عن طبيعة فهم القدرة وتعريفها بمسألة الفيض ، وهل هو منقطع الأول ؟ إنّ حسم مسألة حدوث العالم وهل كان مسبوقاً بعدم ، يتوقّف على طبيعة معرفة القدرة الإلهية . فهذه هي التي تحدّد الأمر وتحسمه بين القول بدوام الفيض من الأوّل أو انقطاعه من الأوّل أيضاً ، حيث لا كلام في اتّصاله من الآخر . الفرق في تعريف القدرة بين الفلاسفة والمتكلمين يفيد التعريف الفلسفي أنّ القدرة هي كون الفاعل في ذاته بنحو إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل . أمّا كلامياً فقد ذهب المتكلّمون إلى أنّ القدرة هي صحّة الفعل ومقابله ، أي الترك . والمقصود من الصحّة في التعريف ليس معناها الفقهي والأصولي بل معناها الفلسفي الذي يعني الإمكان ، أي إمكان الفعل والترك ، وهو معنى مألوف في الإنسان ، بل كلّ موجود ممكن .